قال معهد الشؤون الخارجية الإثيوبي (IFA) إن الخلاف الذي نشب في جامعة الدول العربية بشأن اتهامات السودان لإثيوبيا والإمارات العربية المتحدة لم يكن مجرد خلاف إجرائي آخر في القاهرة، بل أظهر أن مصر لم تعد قادرة على افتراض أن المؤسسات العربية ستتبنى روايتها عن إثيوبيا تلقائيًا. فعلى مدى عقود، استخدمت مصر المنصات الدبلوماسية العربية لتصوير إثيوبيا كتهديد خارجي، وكدولة غريبة عن البحر الأحمر، ودولة يجب احتواء صعودها. لكن هذا النهج بدأ يضعف من الداخل.

 

وأضاف: "تمحور الخلاف المباشر حول محاولة السودان تحويل ادعاءً متنازعًا عليه في ساحة المعركة إلى موقف رسمي لدى جامعة الدول العربية. اتهمت السلطات العسكرية السودانية إثيوبيا والإمارات العربية المتحدة بالتورط في هجمات بطائرات مسيرة على مطار الخرطوم ومواقع أخرى. رفضت إثيوبيا هذا الادعاء، بينما نفت الإمارات العربية المتحدة أي تورط لها ووصفت هذه المزاعم بأنها معلومات مضللة. ولا يزال هذا الاتهام غير مؤكد. إلا أن غرضه الدبلوماسي كان واضحًا: فقد سعى السودان إلى تدويل ادعاء الحرب من خلال طرحه ضمن إطار مؤسسي عربي".

 

وأوضح المعهد أن تلك الخطوة لم تُفلح في إحداث رد الفعل المعتاد. ووفقًا للتقارير، انقسمت جلسة استثنائية لجامعة الدول العربية بعد أن قاومت الإمارات العربية المتحدة مسعى السودان، مما أدى إلى نقاش حاد وتعليق المناقشات. 

 

واعتبر أن الأهمية الحقيقية لا تكمن في ما إذا كان الاجتماع انتهى بشكل سيئ، بل في أن إثيوبيا لم تُترك وحيدة خارج القاعة بينما كانت مصر والسودان وجامعة الدول العربية تُحدد المعنى السياسي للادعاء.

 

احتكار مصر للسردية 


وبحسب التقرير، فإنه على مدى جيل كامل، لم تكن ميزة مصر على إثيوبيا جغرافية أو عسكرية أو دبلوماسية فحسب، بل كانت سردية أيضًا. فقد تعلمت مصر ترجمة مخاوفها المتعلقة بنهر النيل إلى مخاوف عربية أوسع. 

 

فعندما اعترضت مصر على مشاريع التنمية الإثيوبية في أعالي النهر، وخاصة سد النهضة الإثيوبي، نادرًا ما طرحت المسألة كنزاع ثنائي ضيق، بل صورتها كقضية أمن مائي عربي. وقد انحازت قرارات جامعة الدول العربية مرارًا وتكرارًا إلى جانب مصر والسودان، بينما اعترضت إثيوبيا على نقل نزاع سياسي مائي أفريقي إلى منتدى عربي لا تنتمي إليه.

 

وقال التقرير إن ذلك الحصن القديم ليس تحالفًا رسميًا، بل عادة دبلوماسية، إذ استطاعت مصر تحويل نزاعاتها الثنائية مع إثيوبيا إلى لغة المؤسسات العربية. في المقابل، كان على إثيوبيا الرد من خارج الإطار. فقد عُوملت كجهة خارجية عن الأمن العربي رغم قربها من البحر الأحمر، وروابطها التاريخية مع شبه الجزيرة العربية، ودورها في حوض النيل، واعتمادها على طرق التجارة في البحر الأحمر.

 

فشل السودان في تعريب ملف الحرب


ورأى التقرير أن الخطوة السودانية الأخيرة سعت إلى إحياء هذا الإطار. فمن خلال اتهام إثيوبيا والإمارات العربية المتحدة معًا، سعى السودان إلى دمج ملفين في ملف واحد: إثيوبيا كطرف إقليمي معادٍ، والإمارات العربية المتحدة كداعم لزعزعة الاستقرار في حرب السودان. لقد كانت محاولة لتعريب الاتهام، وجعل دور إثيوبيا المزعوم جزءًا من اهتمام دبلوماسي عربي أوسع، مع تصعيد ملف الإمارات العربية المتحدة داخل السياسة العربية.

 

لكن حرب السودان أدت إلى تفتيت الدبلوماسية العربية بدلاً من توحيدها، كما يقول التقرير. فقد مالت مصر إلى جانب السلطات التي يقودها الجيش السوداني. وواجهت الإمارات العربية المتحدة مرارًا وتكرارًا اتهامات بدعم قوات الدعم السريع، وهو ما تنفيه. ولدى السعودية وقطر وغيرها من الدول العربية حساباتها الخاصة بشأن السودان. والنتيجة لم تعد خطاً عربيًا واحدًا، بل ساحة مزدحمة بمصالح متنافسة.

 

موقف الإمارات 


لهذا السبب، قال التقرير إنه يُعدّ ردّ فعل الإمارات العربية المتحدة ذا أهمية. فهو لا يعني أن الإمارات كانت تدافع عن إثيوبيا بدافع العاطفة، بل كانت تدافع عن نفسها أيضًا ضدّ اتهامٍ يمسّ سياستها تجاه السودان بشكل مباشر. 

 

كما أنه لا يعني أن مصر قد فقدت نفوذها، فما زالت تتمتع بخبرة عميقة في جامعة الدول العربية، وقناة السويس، وثقل عسكري، وعلاقات استخباراتية، وذاكرة مؤسسية طويلة في ملف النيل. ولا يزال بإمكانها حشد التعاطف العربي عندما يُطرح سد النهضة كقضية أمن مائي في المصب.

 

وذهب التقرير إلى أنه لم يعد بإمكان مصر أن تفترض توافقًا تلقائيًا بين المؤسسات العربية كلما طُرحت إثيوبيا على جدول الأعمال. لقد أصبح العالم العربي منقسمًا للغاية، ومُسيّساً بالمصالح، ومُستثمرًا بشكل كبير في القرن الأفريقي، بحيث لا تستطيع مصر احتكار الإطار.

 

إعادة تموضع إثيوبيا الدبلوماسي 


ساهمت الدبلوماسية الإثيوبية في تحقيق ذلك. فمنذ عام 2018، وسّعت إثيوبيا نطاق تعاونها مع الدول العربية، ولا سيما دول الخليج التي تتشكل مصالحها في القرن الأفريقي من خلال الموانئ والأمن الغذائي والخدمات اللوجستية والاستثمار واستقرار البحر الأحمر والتنافس الجيوسياسي. 

 

وقد برزت الإمارات العربية المتحدة كعنصر محوري في هذا الانفتاح من خلال الاستثمار والتمويل التنموي والتعاون الأمني والدبلوماسية رفيعة المستوى. كما لعبت دورًا بارزًا في دعم التقارب الإثيوبي الإريتري عام 2018، مما أعاد لفترة وجيزة صياغة القرن الأفريقي كساحةٍ تستطيع فيها الدبلوماسية الخليجية التأثير في النتائج بدلًا من مجرد التفاعل معها.

 

وتُعدّ هذه العلاقة استراتيجية لكلا الجانبين، فبالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة، لا تُمثّل إثيوبيا ملفًا أفريقيًا هامشيًا، بل هي سوق ضخمة، وقوة ديموغرافية كبيرة، ومركز دبلوماسي عبر الاتحاد الأفريقي، ودولة تقع بين أفريقيا والبحر الأحمر والخليج. أما بالنسبة لإثيوبيا، فقد أضعفت هذه العلاقة الفرضية القديمة التي كانت ترى في الدبلوماسية العربية تهديدًا هيكليًا لمصالحها، إذ أتاحت لها التواصل مع أجزاء من العالم العربي عبر قنوات مباشرة بدلاً من المرور عبر مصر.

 

انقسام دول الخليج


وفقًا للتقرلير، تكتسب الصورة الأوسع لمنطقة الخليج أهمية بالغة. إذ لا تتبنى دول الخليج سياسة موحدة تجاه القرن الأفريقي. وتنظر الإمارات العربية المتحدة إلى المنطقة من خلال الخدمات اللوجستية والموانئ والأمن الغذائي والاستثمار والربط البحري. وتوازن المملكة العربية السعودية بين دورها القيادي في البحر الأحمر، ودبلوماسيتها تجاه السودان، ودبلوماسيتها الإسلامية، وأمن الخليج. وتحتفظ قطر بدور الوساطة. 

 

أما عُمان، فتفضل في الغالب الدبلوماسية الهادئة. بينما تُسهم الكويت وغيرها من الدول بقنوات التنمية والدين والمؤسسات. ولا يُخضع أي من هذه الجهات سياسته تجاه القرن الأفريقي لاستراتيجيات مصر المتعلقة بالنيل.

 

ورأى التقرير أن هذا التشرذم يُتيح فرصة استراتيجية لإثيوبيا، ولكنه ينطوي أيضًا على مخاطرة. لا ينبغي لإثيوبيا أن تظن أن حلقة واحدة من حلقات جامعة الدول العربية كافية لإعادة تنظيم دبلوماسي دائم. يجب أن تكون الاستراتيجية العربية المستدامة أوسع نطاقًا: تعميق العلاقات مع الإمارات العربية المتحدة، إلى جانب بناء روابط منظمة مع المملكة العربية السعودية وقطر وعُمان والكويت وغيرها من الدول العربية عبر التجارة والطاقة والتعليم والدبلوماسية الدينية وقنوات الوساطة وإدارة البحر الأحمر.

 

إزالة احتكار السردية


يرى التقرير أن جوهر النقاش لا يكمن في أن العالم العربي معادٍ لإثيوبيا، بل في أن مصر استفادت تاريخيًا من تصوير إثيوبيا بصورة عدائية داخل الأوساط العربية، وأن هذا التصوير بات اليوم موضع اعتراض من دول عربية لها مصالح مستقلة في استقرار إثيوبيا ونهضتها.

 

واعتبر أن أفضل رد لإثيوبيا هو التطبيع الاستراتيجي. عليها أن تُصرّ على أن تظل النزاعات على النيل قائمة على الاستخدام العادل والمعقول. عليها أن تمنع تحوّل حرب السودان إلى منبرٍ للتحالفات المعادية لإثيوبيا. وعليها أن تُؤطّر إدارة البحر الأحمر لا كحقٍ ساحلي، بل كمسألة اعتماد تجاري، وترابط أمني، وجغرافيا أفريقية عربية.

 

نهاية الإجماع العربي التلقائي

 

ومضى التقرير إلى وصف الصدام في جامعة الدول العربية بأنه مثّل حدثًا صغيرًا ذا دلالة كبيرة. فقد أظهر أن البيئة الدبلوماسية لإثيوبيا تتغير. بدأ حصن الرواية المصرية القديمة بالتصدع، ليس فقط بسبب هزيمة إثيوبيا له، بل لأن السياسة العربية نفسها أصبحت أكثر تعددية. واعتبر أن مهمة إثيوبيا الآن هي تحويل هذا الانفتاح إلى استراتيجية إقليمية منضبطة، تجعل من الصعب تعميم الخطاب المعادي لإثيوبيا، ومن الصعب ترسيخه مؤسسيًا، ومن الصعب تسويقه على أنه إجماع عربي.

https://www.ifa.gov.et/2026/06/13/narrative-de-monopolization-ethiopia-egypt-and-the-fragmentation-of-arab-league-consensus/